عبد الملك الجويني

322

نهاية المطلب في دراية المذهب

وذهب آخرون إلى أن الشرط أن يُبدي من نفسه البدار ، ومساق هذا ( 1 ) يقتضي قطعَ الأشغال . وهذا ضعيف ؛ فإنا إذا أوضحنا أن المقصود من إثبات الفور ألا يتضرر المشتري بانتظار ما يكون ، فلا ينتهي الأمر بتضرره باستكمال الأشغال التي ذكرناها . ثم من لم ير قطعها ، يمنع وصلَ الشغل بالشغل ، مثل أن يستتم الأكل ، ويبغي أن يستحم ، فهذا لا يُرخِّص العرفُ فيه فيما يطلب فيه الفور ، إلا أن يفرض إرهاق ( 2 ) ؛ فإذ ذاك يعذر . هذا عقد الفصل . 4713 - وممّا يتصل بذلك أنه إن أراد أن يوكِّل من يَطلب الحق له ، جاز هذا ؛ فإن الغرض حصول التسرع إلى الطلب ، وهذا يحصل بالوكيل ، ولو امتنع على الشفيع أن يطلب بنفسه لعارضٍ ، ولم يتمكن من التوكيل أيضاً ، عُذِر ، ولم يسقط حقه على الجملة . ولو عجز عن الطلب بنفسه ، واستمكن من التوكيل بالطلب ، فهل عليه الابتدارُ إلى التوكيل ، فعلى وجهين ، ذكرهما صاحب التقريب : أحدهما - أنه يلزمه ذلك إن أراد الشفعة ؛ فإن هذا طريقٌ في الطلب ، وهو متيسر عليه ، والدليل عليه أنه إذا تمكن من الطّلب بنفسه ، فله أن يقيم طلب الوكيل مقام طلب نفسه ، فإذا قام طلبُ الوكيل مقام طلبه ، فكأنه بمثابة طلبه ، فإذا قدر عليه ، وتوانى فيه ، كان مقصراً . ومن أصحابنا من قال : لا يجب ذلك ؛ فإنه قد يحتاج إلى بذل أجرة الوكيل ، وليس في طلب الشفعة إلزامُ الشفيع بذلَ مالٍ ، وإن تبرع ، احتاج إلى تقلّد المِنة ، أما بذل الأجر ، فيضاهي الاحتياجَ إلى بذل المال في سبيل الحج ، وهو ينافي الاستطاعة ، وتبرع الوكيل يضاهي تبرعَ أجنبي بالحج . والصحيح عندنا في هذا أنه إن احتاج إلى بذل مال ، لم يلزمه ، وإن وجد متطوعاً ، لم تثقل المنةُ بهذا الشغل القريب . وممّا يتصل بما نحن فيه ما إذا كان الشفيع محبوساً ، فقد فصّل بعض الفقهاء ذلك

--> ( 1 ) ( ت 2 ) ، ( ي ) ، ( ه‍ 3 ) : وحاصله يقتضي قطع الأشغال . ( 2 ) إرهاق : المراد هنا اضطرار أو حاجة شديدة .